أبي نعيم الأصبهاني
104
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
الحيل . والثانية كثرة الممارسة حتى يألفها إلفا ، ويختارها اختيارا . قيل : فالتوكل في نفسه ما هو ، وما معناه ؟ قال : قد اختلف الناس فيه قيل له : اختصر منه جوابا موجزا . قال : نعم ، التوكل هو الاعتماد على اللّه بإزالة الطمع من سوى اللّه ، وترك تدبير النفوس في الأغذية ، والاستغناء بالكفاية ، وموافقة القلب لمراد الرب ، والقعود في طلب العبودية ، واللجأ إلى اللّه . قيل : فهل يلحق التوكل الأطماع ؟ قال : يلحقه الأطماع من طريق الطباع خطرات ، ولا يضره ذلك شيئا . قيل : فما الذي يقويه على إسقاط الطمع ؟ قال اليأس مما في أيدي الناس حتى يكون بما معه من الثقة بما وعده سيده أغنى ممن يملك الدنيا بحذافيرها كما قيل لأبى حازم ألك مال ؟ قال أكثر المال ثقتي بربى ، ويأسى مما في أيدي الناس وكان أبو حازم يقول : الدنيا شيئان شيء لي وشيء لغيرى ، فما كان لي لو طلبته بحيلة من في السماوات والأرض لم يأتني قبل أجله ، وما كان لغيرى لم أرجه فيما مضى ولا أرجوه فيما بقي ، يمنع رزقي من غيرى كما يمنع رزق غيرى منى ، ففي أي هذين أفنى عمرى . وكان بعضهم يقول : اترك الناس فكل مشغلة * وقد بخل الناس بمثل الخردلة لا تسل الناس وسل من أنت له قيل : فما الذي يقول المتوكل ؟ قال ثلاث خصال الأولى منها حسن الظن باللّه ، والثانية نفى التهم عن اللّه ، والثالثة الرضا عن اللّه تعالى فيما جرى به التدبير لتأخير الأوقات وتعجيلها . قيل : بم تلحق هذه المنزلة ؟ قال : بصفاء اليقين وتمامه ، فان اليقين إذا تم سمى تمامه توكلا . وهكذا قال ذو النون المصري فهم بالحالة العالية والمقام الشريف كما قال أبو سليمان الدارانى لأحمد بن أبي الحوارى : ما من حالة من حالات المتعبدين إلا وشيخك هذا قد دخل فيها وعرفها . إلا هذا التوكل المبارك الذي ما أعرفه إلا بمشام الريح . وقال ذو النون المصري : المقامات سبع عشرة مقامة أدناها الإجابة وأعلاها صدق التوكل . قيل فما أجمل ما تراه القلوب في باطنها ويلحقها فكر خواطر الأطماع